ابن رشد
168
تهافت التهافت
لذاته . وإن عنيتم بوجوب الوجود وصفا ثابتا لواجب الوجود سوى أنه موجود لا علة لوجوده فهو غير مفهوم في نفسه والذي ينسبك من لفظه نفي العلة لوجوده وهو سلب محض لا يقال فيه أنه لذاته أو لعلة حتى يبني على وضع هذا التقسيم غرض فدل أن هذا برهان من خرف لا أصل له . بل نقول معنى أنه واجب الوجود أنه لا علة لوجوده ولا علة لكونه بل لا علة أصلا وليس كونه بلا علة مطلا أيضا بذاته بل لا علة لوجوده ولا علة لكونه بلا علة أصلا . وهذا التقسيم لا يتطرق إلى بعض صفات الإثبات فضلا عما يرجع إلى السلب إذ لو قال قائل السواد لون لذاته أو لعلة فإن كان لذاته فينبغي أن لا تكون الحمرة لونا وأن لا يكون هذا النوع أعني اللونية إلا لذات السواد وإن كان السواد لونا لعلة جعلته لونا فينبغي أن يعقل سواد ليس بلون ، أي لم تجعله العلة لونا ، فإن ما يثبت للذات زائدا على الذات لعلة يمكن تقدير عدمه في الوهم وإن لم يتحقق في الوجود ، ولكن يقال : هذا التقسيم خطأ في الوضع فلا يقال في السواد أنه لون لذاته قولا يمنع أن يكون لغير ذاته ، فكذلك لا يقال أن هذا الموجود واجب لذاته أي لا علة له لذاته قولا يمنع أن يكون ذلك لغير ذاته مجال . قلت : هذا المسلك في التوحيد هو مسلك انفرد به ابن سينا وليس هو مسلك لأحد من قدماء الفلاسفة وهو مؤلف من مقدمات عامة يكاد أن تكون معانيها مقولة باشتراك ، فيدخلها من أجل ذلك المعاندة كثيرا ، ولكن إذا فصّلت تلك المعاني وعيّن المقصود منها قرب من الأقاويل البرهانية . فقول أبو حامد في التقسيم الأول : إنه تقسيم فاسد قول غير صحيح ، وذلك أنه قال : إن المفهوم من واجب الوجود ما لا علة له ولو قال قائل فيما لا علة له إما أن يكون : لا علة له لذاته ، أو لعلة ، لكان قولا مستحيلا ، فكذلك قول القائل واجب الوجود لا يخلو أن يكون واجب الوجود ، إما لذاته ، وإما لعلة . وليس الأمر كذلك ، وإنما معنى القول هل كونه واجب الوجود لطبيعة تخصه من حيث هو واحد بالعدد أو لطبيعة مشتركة له ولغيره . مثال ذلك أن نقول : هل عمرو إنسان من جهة أنه عمرو ، أو من جهة طبيعة مشتركة له ولخالد ، فإن كان إنسانا من جهة ما هو عمرو ، فليس توجد الإنسانية لغيره ، وإن كان من جهة طبيعة مشتركة فهو مركب من طبيعتين : عامة وخاصة ، والمركب معلول ، وواجب الوجود ليس له علة ، فواجب الوجود واحد ، فإنه إذا أخرج القول هذا المخرج كان قول ابن سينا صحيحا . وقوله : والسلب المحض لا يكون له سبب ، ولا يقال فيه أنه لذاته أو لا لذاته . كلام غير صحيح أيضا ، لأن الشيء قد يسلب عن الشيء ، أما لمعنى بسيط يخصه وهو الذي ينبغي أن يفهم هاهنا من ذاته ، وإما لصفة غير خاصة له ،